بين الريشة والألوان.. حياة الفنان نصير السمارة ورسالته

عدد المشاركات: |

ما بين صفاء الروح وصخب الحياة؛ عاش الفنان الراحل "نصير السمارة" المولود في عام 1967 (توفي - رحمه الله - عام 2019) عاشقا لفنه ومتفرغا له.. يعانق الريشة والسكين.. يتنزه في حدائق ألوان لا نهاية لتنوعها وثرائها.. يرسم لوحات وينحت مجسمات، توثق لنا تفاصيل حياتنا اليومية، وتنقل مشاهدها وتجاربها، وتسجل خبراتها وأفكارها.

ألوان الإبداع من تراث الأجداد

ولم تخرج ألوان لوحاته عن البيئة العربية السعودية الأصيلة، فمزج صُفرة رمال الصحراء، بخُضرة نباتاتها، وزُرقة البحر، ليُخرج لنا فنًا سعوديًا فريدًا.

وقد اهتم الفنان السعودي بالعديد من القضايا العربية التي تهم وتشغل الإنسان العربي وعلى رأسها قضايا الإرهاب، والمرأة، ومخيمات اللاجئين السوريين في الأردن وغيرها.

تأثر نصير في فنه بمسقط رأسه في شمال المملكة، حيث نشأ وترعرع في ربوع الشمال الغني بالتنوع الحضاري، وهو ما انعكس في تنوع وثراء عطائه الفني، إذ يقول ابنه سامي عنه:

"كان فنّاناً متنوّع المواهب، لم يقتصر على فنٍ بعينه، فتنوع إنتاجه بين الرسم والنحت والنقش والنسج وكتابة الخط العربي وسبك المعادن".

التجارب والبدايات

بالتجربة والمشاركة كان «السمارة» مقتنعًا أن طريق الفنان الواعد الصاعد يبدأ بأول خط يرسمه بريشته، ليُشكل وعيه ويرتفع مستواه، ويرتقي فنه خطوة خطوة.

نجح الفنان «السمارة» في إيجاد معادل بصري ساحر للموروث الفني السعودي، فكان يشارك في الفعاليات الفنية المختلفة داخل المملكة العربية السعودية وخارجها.

مدرسة فنية وبصمة لا تزول

كان نصير السمارة داعماً لفناني وطنه والفنانين العرب، فامتد أثره من منطقة الجوف إلى سائر المملكة، ومن المملكة إلى سائر أنحاء العالم العربي، فشارك بفنه ولوحاته في المهرجانات الوطنية كالمهرجان الوطني للتراث والثقافة بالجنادرية، وأسهم بفنه في إثراء الملتقيات العربية في الأردن المغرب والعراق والإمارات، وسافر ليعرض فنه في اليونان وفرنسا وغيرها، ومن ثَم حفر قبل رحيله بصمته بارزة في التاريخ الإنساني للفنون التشكيلية.

أسس السمارة جماعة الجوف للفن التشكيلي، ملقيًا حجرا في مياه الفن التي كانت راكدة في تلك الفترة، ومؤكدا أن الفنان التشكيلي ما هو إلا لسان حال حضارته، وشاهد عيان على زمنه.. وأن له دوره الجمالي والثقافي والوطني المهم، لتسليط الضوء على حضارة بلده وثقافة مجتمعه.

نصير وأنواع الفن

يبحث نصير من خلال بعض الأشكال والعلامات؛ مثل المثلث والمربع والنوافذ والزخارف العربية، عن الإحساس المستمر بالامتداد ودائرية الزمن وأصالة الوهج الإبداعي، والطاقة الكامنة في اللون، ومدى ارتباطها الوثيق باتساع العالم في اللاوعي، والوفرة الإبداعية في الكون؛

فبساطة الأشكال المطمئنة تثير في المتلقي ذلك التعاطف، والانسجام الجمالي المصاحب لدهشة اكتشاف أشياء العالم، وتأويلها كنغمات ذاتية تتجاوز النهايات الحاسمة؛ حيث الخط يأبى أن يكون ضمن إطار واضح، ويذوب في الإيقاع الواسع للون الذي يقع بين الصخب والنقاء المتعالي للروح.

نصير السمارة أعاد اكتشاف الأبنية العريقة، ومساحاتها الفارغة ونوافذها، ودوال الاحتجاب ذات العمق الجمالي والفلسفي من داخل طاقة اللون الإبداعية المجردة التي تتجاوز الموضوع، وتشير إلى إيقاع الحياة الصاخبة، والخلود بداخله في الوقت نفسه.

ومع اتساع مساحة التخيل والتداخل الإبداعي، أعاد نصير صور الفوتوغرافيا، وصارت الدمى كمنحوتات، وصارت الرسوم المبسطة بالزيت أو الأكريلك على القماش فنا شعبيا بالخامات نفسها.

وقد تجسد ذلك الاتساع في مزجه غير التقليدي بين موضوعات وأطياف وعلامات من الثقافة العربية المحلية بالتجريدية التعبيرية، وما فيها من تنوع دلالي ذي طابع عالمي.

ماذا قالوا عن نصير..؟

قال الناقد الفني المصري الدكتور محمد سمير عبد السلام إن أعمال الفنان السعودي المبدع نصير السمارة تتميز بالجمع بين أصالة الموضوع وعمقه وإيحاءاته الفلسفية وأبعاده الذاتية في وعي المبدع، وجماليات اللون التعبيرية المجردة، وإيماءاتها الدالة على صخب الحياة، والبحث عن الصفاء الداخلي، والاتصال بين العالم الداخلي والفضاءات الكونية، التي يمتزج فيها حضور اللون بالأطياف والعلامات، والرؤى الحالمة دونما انفصال.

 


 

المرفقات

تابع اخر الاخبار

عالم من الإلهام