رحلة «القشمعي».. عاشق السير الذاتية ومؤرخ الصحافة السعودية

عدد المشاركات: |

بين سطور التاريخ يفحص ويُدقق ويُحلل ويُنقب عن المزيد، ليروي تجارب الأمم كأنه عايشها، إنه الكاتب السعودي المرموق محمد بن عبدالرزاق القشمعي.

مثّل «القشمعي» نموذجًا سعوديًا للكاتب والمؤرخ والباحث العربي، إذ أثرى الحياة الثقافية السعودية، والعربية بـ 40 كتابًا ومؤلفًا، بخلاف العديد من الدراسات والمقالات المتخصصة، فكان إنتاجه الفكري والثقافي توثيقًا لعدد من السير الذاتية لأدباء الظل الذين رأى أنه لم يُكتب عنهم بالشكل اللائق، وأفرد لبعضهم مؤلفات خاصة، كما كتب عن آخرين في دراسات ومقالات وكتب أخرى ككتابه «أعلام في الظل»، فلُقّب بـ«راصد البدايات» و«موثق التحولات».

 

نشأته

ولد المؤرخ والباحث السعودي عام 1364 هــ الموافق 1944 م في قرية العقل شمال مدينة الزلفي، نشأ في بيئة ثقافية بامتياز شكّلت ملامح شخصيته في تسجيل الملاحظات وسبر أغوار التاريخ، وتوثيق ما لم يُوثّق.

ورغم إنتاجه الأدبي والثقافي إلا أن «القشمعي» لم يحمل إلا الشهادة الابتدائية، إذ التحق بالصف الأول الثانوي، لكنه لم يُكمل دراسته لظروف عمله وحياته.

كان يذهب مع والده قارئ القرآن عبدالرزاق القشمعي، والذي كان كفيفًا، إلى المناسبات المختلفة، وعندما توفي الملك عبدالعزيز - رحمه الله - ذهب مع والده إلى العزاء، وسلّم على زوجته الأميرة حصة السديري والدة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز.

وفي حوار سابق للمؤرخ «القشمعي» أكد أنه أثناء عمله في الرئاسة العامة لرعاية الشباب التقى بالملك سلمان، أكثر من مرة حين كان أميرًا للرياض، وأنه لاحظ قربه من الكتاب والمثقفين، كما أنه يحتفظ له باحترام كبير إذ كان يتحدث عن والده بتقدير.

 

بداية مؤرخ

ظل طيلة 16 عامًا من حياته يجوب مناطق المملكة المختلفة استجابة لطبيعة عمله كمسؤول عن مكاتب الرئاسة العامة لرعاية الشباب، ما عطّل انطلاق موهبته.

بعد عودته إلى الرياض واستقراره فيها، مع عمله في الشؤون الثقافية والقسم الأدبي، وحتّم عليه العمل في الأمانة  العامة لجائزة الدولة التقديرية في الأدب الاختلاط بالأدباء والمثقفين، ما كان يُشبع قدرًا من رغبته في التواصل معهم، بل وتوثيق تجاربهم.

وفي عام 1420 هـ الموافق عام 1999 م، أصبح للكاتب رؤية، تشكلت بحُكم شغفه بالقراءة، وولعه بالثقافة وأخيرًا اختلاطه بالوسط الأدبي والثقافي، وقدّمه الدكتور أحمد الضبيب أمين عام جائزة الملك فيصل، والمدير السابق لجامعة الملك سعود لمجموعة من ضيوف مركز الملك فيصل بصفته «مؤرخ الصحافة السعودية» ما أعطاه شعورًا بالفخر كان دافعًا له للكتابة والنشر.

 

دور «الجهيمان»

كان لإعجاب «القشمعي» بالأديب الكبير عبدالكريم الجهيمان دورًا حاسمًا في مشواره الثقافي، وكان ذهب بنفسه لإبلاغه بفوزه بجائزة الدولة في الأدب، وفي العام 1421 هـ الموافق عام 2000 م اخُتيرَ «الجهيمان» شخصية العام، في مهرجان الجنادرية ليبدأ الكتابة عنه، وتبدأ رحلته في التأريخ والتوثيق لحياة الأدباء، ومنهم سليمان الصالح، وعبدالرحمن المنيف، وأحمد السباعي، ومحمد نصيف، وعبدالله الوهيبي، وعابد خازندار وغيرهم.

 

قطار الإنجازات والحياة

نشر «القشمعي» العديد من الحلقات عن الصحافة السعودية وروّادها بالمجلة العربية، وعن هذه الحلقات استحق الفوز بجائزة الملك سلمان لدراسات تاريخ الجزيرة العربية عام 1427 هـ الموافق عام 2006 م، فكانت المحطة الأهم في دفعه للمزيد من العطاء والإنتاج الأدبي والثقافي، ليستمر بعدها قطار الإنجازات.

ولم يقتصر اهتمام المؤرخ السعودي بالسير الذاتية للأدباء فحسب، وإنما تجاوز ذلك إلى العديد من الشخصيات التاريخية مثل السيدة موضي البسام التي عاشت في عنيزة ولُقبت بـ«أم المساكين» والتي استضافت الجرحى من جيش مبارك الصباح والإمام عبدالرحمن الفيصل عام 1318 هـ الموافق عام 1900 م وغيرها.

كتب كذلك عن الطبيب عبدالرحمن الرحيمي الذي ذهب إلى البصرة وتعلّم الطب الشعبي، وافتتح في الرياض صيدلية بدائية، وعالج الملك عبدالعزيز عندما اشتكى من آلام في المعدة.

طلب منه كثيرون أن يكتب عنهم سيرًا ذاتية، لكنه أكد «إني لا أكتب إلا عمن أحب سواء كنت أعرفه أم لا أعرفه، فإذا عرفت سيرته ودوره في المجتمع أكتب عنه مباشرة، فأنا لست مقاولًا للسير بل محبًا لها».

من مؤلفاته «بدايات: فصول من السيرة الذاتية، رواد الصحافة السعودية.. صحافة الأفراد، سادن الأساطير والأمثال: عبدالكريم الجهيمان، رحلة العمر والفكر: عبدالكريم الجهيمان» وغيرها.


 

تابع اخر الاخبار

عالم من الإلهام