عبدالمجيد الشاب السعودي الذي ركض ١٣٧ كيلو في جبال عمان

عدد المشاركات: |

في أواخر العام الماضي ٢٠١٨ أقيمت النسخة الأولى من سباق عمان الجبلي Oman UTMB وهو سباق للجري مسافة ١٣٧ كيلو في مرتفعات عمان وسفوحها. وجاء المشاركون يفوق عددهم ٤٥٠ مشاركا من ٥٠ دولة، ومنهم عدد من السعوديين. ولأن السباق لم يكن سهلا أبدا فلا بد من انسحاب كثير من المتسابقين، وقد بلغت نسبة المنسحبين قرابة ٧٥ بالمئة، ولكن شابا سعوديا وحيدا كان من بين أولئك الذين أكملوا السباق ليكون السعودي الأول والوحيد والتاسع عربياً، وقد استغرق منه ذلك أكثر من ٤٠ ساعة، فكيف كان يأكل؟ وكيف كان ينام؟ وما الذي حدث له هناك؟ وما قصته؟ وكيف بدأ رياضة الجري؟ كل ذلك سيكشفه لنا عبدالمجيد المعيقل هنا في حديث لمركز التواصل الحكومي.

بساطة الجري أكثر ما يجذبني

يجذبني في رياضة الجري أنها سهلة وسريعة من ناحية التجهيز، فلا يحتاج العداء غالبا إلا إلى حذاء مناسب للركض فقط. ففي كل مكان وكل الأوقات بالإمكان أن أجري من خمسة كيلو إلى ٢٠ كيلو. وسبب ممارستي للجري هو المحافظة على لياقتي البدنية مهما كانت الرياضة التي كنت أمارسها سابقا أو حاليا. فرياضة الجري فيها اختصار للوقت خاصة لاستعادة لياقتي بعد انقطاع.

لم يخطر ببالي سباق عمان الجبلي

فكرة المشاركة في السباق لم تخطر ببالي أبدا؛ لكنها كانت مبادرة من الأصدقاء، وحُبا للتحدي والمغامرة لدي فقط. لذلك عند انسحابهم في وسط السباق بعد قرابة ٨٠ كيلو شعرت بالغضب ؛ لأن كل استعداداتنا مع بعضنا للسباق؛ جعلتني أتخيل أننا سنجتازه سويةً.

للأسف اعتمدتُ كليًا "وهذا خطأ مني" على الأصدقاء لمعرفة معلومات السباق، فلم أطلع على المنشورات أو خارطة الطريق ولا عدد استراحات التزود ولا أي من تفاصيل الشروط والأحكام.

درب القوافل هو سر استعدادي

الاستعداد الفعلي والنفسي كان في أقل من شهر، وكان علينا أن نحاكي مسار السباق، لذا اخترنا موقع درب القوافل على مدخل مدينة الرياض مكانا للتدريب، وواظبنا على التمرين هناك بتكرار ١٠ مرات في التمرين الواحد، لمدة ٦ ساعات من دون توقف، تزيد أو تقل بقليل. كنا نتمرن في أوقات مختلفة من الصباح الباكر، أو في الليل بعد أوقات العمل.

في كل مرة نقوم بتجهيز حقيبة تحتوي على كل ما يساعدنا على الاستمرار في الركض: الماء وبعض الأطعمة سهلة الهضم. ونستعد بلبس مناسب ومصباح للإنارة ليلا وأحذية مخصصة للجري الجبلي.

اخترنا درب القوافل لمماثلته مسار السباق الفعلي، فارتفاعه يقارب ٩٠٠ متر بدءًا من الأسفل، ومسافته كيلو و٣٠٠ متر تقريبا!

لم أتوقع الوصول إلى خط النهاية

لم أتوقع إنهاء السباق! فقد تم تحديد ٤٤ ساعة للوصول إلى خط النهاية، لكنه وجب علي الوصول قبل نهاية الوقت، وكان هناك ما يقارب ٢٢ نقطة تفتيش لا بد من الوصول إليها قبل الوقت المخصص لها.

وبسبب عدم الترتيب الجيد في البداية، أصبحت تحت ضغط الوقت مما جعلني أصل قبل كل نقطة تفتيش ب٢٠ دقيقة أو أقل، وهذه مخاطرة قد تخرجني من السباق لو تأخرت بضع دقائق عن أي نقطة، وهذا الذي حدث لأصدقائي وخرجوا من السباق بسببه.

للأسف لم يكن هذا الشيء الوحيد الذي سببه القلق والضغط النفسي، بل كان هناك عامل التنظيم. نقاط التفتيش كانت منظمة ومرتبة بالوقت وملتزم بها. على عكس المسافات التي تحصل من نقطة إلى أخرى، على سبيل المثال حُددت إحدى مسافات السباق على أنها ٦.٣ كيلو وحين نقطعها نكتشف أننا قطعنا مسافة ٨.٧ كيلو. وهذا يضيع من الوقت ما يقارب الساعة الكاملة مع الأخذ بعين الاعتبار وعورة المسار وعلو المرتفعات التي يجب تسلقها.

رسالة من صديق حملتني رغم التعب

لم يدر شيء في ذهني أثناء السباق للأسف! فقد كنتُ متعبًا طوال الوقت ذهنيا وجسديا. رسالة واحدة وصلتني قبل بدء السباق كانت كفيلة بتحفيزي وتشجيعي للوصول لخط النهاية، كانت كالآتي بترجمتها، "من بين الأشخاص الذين أعرفهم من المشاركين في السباق، عندي ثقة بأنك أنت الذي سوف تكمله".

كنت أهرب من النوم أيضا

كان ضغط الوقت وخوفي الشديد بين نقطة تفتيش والثانية بأني لن أصل قبل الوقت المحدد، بالإضافة إلى التعرف على أصدقاء جدد دوافع ساعدتني في الهروب من النوم. وحين يتوقف الآخرون للاستراحة أو النوم أكمل مع أشخاص غيرهم!

مررت بصراع شديد مع النوم، أتذكر أني مرة ركضت في مسار مستوي قليلا، خرج الأمر عن سيطرتي، فأغلقت عيني وكدت أن أسقط، هذا الموقف أرعبني جدا وبنفس الوقت أيقظني!

الجميع مشغول بنفسه

علاقتي مع المتسابقين الآخرين جميلة، لكن القليل منهم من يرغب بالتحدث بسبب وعورة الطريق أو للاحتياج للتركيز العالي. تمنيتُ لو أن أصدقائي استمروا معي في السباق لاستمتعت به أكثر.

عصيان المشي أضاعت مني نصف ساعة

الكثير من المواقف حصلت لي بعضها كالخيال ومنها مُتعب، ومنها المضحك وغير ذلك.

أتذكر أحدها وهو أن العصيان التي تستخدم للاتكاء أثناء التسلق، كان أصدقائي هم من يعلقونها لي في حقيبة الظهر. بعد انسحابهم كان علي الاعتماد على نفسي في تركيبها وإخراجها من الخلف. ولصعوبة فعل ذلك لوحدي أضعت ما يقارب النصف ساعة فقط من أجل معرفة كيف كان يتم وضعها وإخراجها.

عشت لحظات عصيبة حد الارتعاش

عشت لحظات كثيرة من القلق قبل السباق. عانيتُ من صعوبة في هضم الطعام وكثرة الغثيان، وتشتت التفكير. وعشتُ لحظات قلقة أثناءه، منها: أنه حينما وصلتُ لمنتصف السباق وكنت في نقطه التزود الثانية، تناولتُ مشروبًا ساخنا ، شعرت برعشة قوية في جسدي وبرد مفاجئ ومن غير أي مقدمات.

تقدمت وجلست بالقرب من النار والحطب، وبرغم تناولي للمشروب الحار، وحرارة النار تلسع أرجلي لازالت الرعشة باقية، الأمر الذي أخافني، ليس هذا فقط.. لكن ماذا بعد الرعشة والجميع يشاهدني؟

كان الخوف واضحا علي، فكرتُ لحظتها ما إذا كانوا سيسمحون لي بإكمال السباق أم سيخرجونني؟. لدي في حقيبتي غطاء النجاة "Survival Blanket", يسألني الجميع ما إذا كنتُ أحمله أم لا؟

الجواب سهل وهو "نعم", لكن لحظتها لم يكن بهذه السهولة كل ما كان يدور بمخيلتي آنذاك هو: إذا أخرجتها هل سيتم إنهاء سباقي؟ من اسمها تخيلت أنها تستخدم فقط للنجاة، وفي الحالات الطارئة عند الاستسلام.

بعد فترة من التفكير والجميع حولي يرددون السؤال! أتذكر أني أخرجتها وغطيت بها جسدي ثم وقفت وركضت بعد ذلك ولم أتوقف قط إلى خط النهاية، حتى لا أعيش نفس اللحظة مره أخرى. (اكتشفت في الأخير أنها مجرد سترة تخرجها في أي وقت للتدفئة)

موقف آخر في إحدى مراحل السباق وهي: تسلق الجبل القائم بارتفاع يفوق ١٢٠٠متر من أسفله. كان الخوف من تسلقه والرهبة عند الالتفاف للخلف أو الأسفل لشدة انحداره، وأنا لدي رهبة الارتفاعات وكنت أحاول أن أصل للمسار في وقت الليل لأتفادى رؤية الانحدارات. كان وصولي الساعة ٧ صباحا في اليوم الثاني من انطلاق السباق. وبحمد لله اجتزت العقبة.

هذا كل ما أحمله في حقيبتي

- ماء بسعة ٢ لتر

- حقيبة إسعافات أولية مبسطة

- لا يقل عن ١٠٠٠ سعرة من الأطعمة (تمر، مكسرات، وبروتين بار)

- مصباحان واحد رئيسي والثاني احتياطي مع بطاريات إضافية

- جاكيت

- خارطة

- بطارية شحن

- الجوال

- جواز سفر

- صافرة استغاثة

- نظارات شمسية

- غطاء النجاة "Survival Blanket"

- عصوان تسلق

- قبعة للوقاية من الشمس

الماراثون هو أطول استعداداتي لسباق عمان

قبل سباق عمان (١٣٧ كيلو) لم يسبق لي الجري قرابة هذه المسافة الطويلة، وإنما كانت أطول مسافة ركضتها هي سباق ماراثون برلين بمسافته المعروفة ٤٢،٢ كيلو قبل السباق بشهر.

قرابة يومين من الجري

أنهيت سباق عمان في ٤٣ ساعة و ٢٧ دقيقة، المسافة المقطوعة تقارب ال١٤٥ كيلو وليس ما تم الإعلان عنه ١٣٧ كيلو، وبلغ مجموع ارتفاعات السباق ٧٨٠٠ مترا لأعيش بذلك تجربة جديدة وأنهي مغامرة فريدة.

رسالتي للسعوديين الراغبين في المشاركة في السنوات القادمة

لا شيء مستحيل، المستحيل هو ما تقرره أنت، فالاستمرارية والتحسن القليل المستمر هو ما نفتقده نحن جميعاً!

عالم من الإلهام